الثلاثاء، 21 أكتوبر 2008

عقيدة أهل السنة والجماعة (2)

قد بينا في المقال السابق أن أهل السنة يؤمنون بما وصف الله به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكيف ولا تمثيل عملاً يقول الله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )(1) فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لاسمي له ولا كفء له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى فإنه اعلم سبحانه بنفسه وبغيره واصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه .
وعن جعفر بن عبد الله قال : " كنا عند مالك فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الله ( الرحمن على العرش استوى )(2) كيف استوى ؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرُحضاء(3) ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال : الكيف منه غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأُخرج "(4) .
ويقصد الإمام مالك أننا نؤمن بهذه الصفات بدون تكييف فحينما قال " الكيف منه غير معقول " يقصد أننا لا نعلم الكيفية لأننا لم نشاهد هذا الأمر فلا نتكلم بشيء لا نعرفه ، وقوله " والاستواء منه غير مجهول " أي أن الاستواء في اللغة معروف معناه وهو الاستقرار والعلو والارتفاع ، وقوله " الإيمان به واجب " أي أننا نؤمن ونصدق ولا نكذب بهذه الحقائق الغيبية .

عقيدة أهل السنة في باقي الصفات :
فبناءً على هذا فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله إحاطة علمه بجميع المخلوقات دليلهم في ذلك قوله تعالى : ( يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ) ويعتقدون أيضاً أن الله له سمع وبصر يليق بجلاله كما قال تعالى : ( إنني معكما أسمع وأرى ) وأن له مشيئة وإرادة كما قال تعالى : ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) ويثبتون له المغفرة والرحمة كما قال تعالى : ( وهو الغفور الرحيم ) وأيضاً يصفون الله سبحانه بأنه يرضى ويغضب ويسخط ويكره دليلهم في ذلك قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ) وقوله : ( ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله وكرهوا رضوانه ) وقوله : ( ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) ويعتقدون أن لله يحب أوليائه كما قال تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) وقوله : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) ويعتقدون أن لله وجهاً يليق بجلاله كما قال : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ويعتقدون أن لله عينين كما قال : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) وان له يدين كما قال تعالى ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) وانه متصف بالعزه وبالعفو والقدرة قال تعالى : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) وقاله تعالى : ( إن تبدو خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ) وانه مستوي على عرشه كما ورد في القرآن في سبعة مواضع منها في سورة طه قوله : ( الرحمن على العرش استوى ) وقول رسوله صلى الله عليه وسلم : " والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه "(5) ويثبتون له العلو على خلقه كما قال : ( يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) وقوله : ( بل رفعه الله إليه ) وقول رسوله صلى الله عليه وسلم : " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء "(6) ويؤمنون باستوائه على عرشه ومعيته مع خلقه وانه لا تنافي بينهما كما جمع الله بين ذلك في قوله : ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) وليس معنى قوله : ( وهو معكم ) انه مختلط بالخلق كما تقول الحلولية فإن هذا لا توجبه اللغة العربية بل القمر من آيات الله من اصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان فالله فوق عرشه رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع على أعمالهم .

ويعتقد أهل السنة والجماعة أن الله يفرح ويضحك ويعجب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لله اشد فرحا بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم براحلته "(7) وقوله أيضاً : " عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب "(8) ويعتقدون النداء والصوت والكلام لله سبحانه وتعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار "(9) وقوله : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان "(10) ويعتقدون أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب كما قال تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة ) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا "(11) ويعتقدون بأن القرآن كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق منه بدا واليه يعود وأن الله تكلم به حقيقة لا كلام غيره وأنه انزله على محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) وقوله : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) .
ويعتقدون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله في الثلث الليل الأخير من كل يوم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى الثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له "(12) .

-----------------
1- الشورى / 11
2- الأعراف / 54
3- الرُحضاء : أي العرق .
4- سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمة الإمام مالك .
5- حديث حسن رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد عن ابن عباس واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن ابن مسعود .
6- متفق عليه رواه البخاري ومسلم .
7- متفق عليه .
8- حديث حسن رواه ابن ماجه وابن خزيمة في كتاب التوحيد عن عائشة .
9- متفق عليه .
10- متفق عليه .
11- متفق عليه .
12- متفق عليه .