الثلاثاء، 21 أكتوبر 2008

عقيدة أهل السنة والجماعة (3)

لقد مر في البحث السابق منهج أهل السنة في التعامل مع صفات الله سبحانه وتعالى وأنهم يُمرونها كما جاءت كما بينا وفسرنا الأثر المروي عن الإمام مالك بن أنس وبينا ما المقصود منه , وعن الوليد بن مسلم قال : سألت الأوزاعي والثوري ومالك بن انس والليث بن سعد عن الأحاديث التي في الصفات وكلهم قال : " أمروها كما جاءت بلا تفسير "(1) .

عقيدة أهل السنة في بقية أبواب الاعتقاد :
ويؤمنون بأن الإيمان قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية , قال الله تعالى : ( وإذ تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ) وقوله : ( ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ) وقوله : ( وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ) .
ويؤمنون بالقضاء ولقدر خيره وشره حلوه ومره وهو على أربع درجات .
الأولى :
علم الله الأزلي القديم بعمل الخلق قال الله تعالى : ( وإن الله قد أحاط بكل شيء علما ) وقوله : ( إن الله بكل شيء عليم ) .
الثانية :
كتابة الله لجميع مقادير الخلق في اللوح المحفوظ , قال تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ) وقوله : ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) .
الثالثة :
المشيئة وهي أن أعمال الخلق واقعة بمشيئة الله , قال تعالى : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) وقوله : ( ولو شأ ربك لآمن من في الأرض جميعاً ) .
الرابعة :
خلق الله لجميع المخلوقات وإيجادها وعليها يجري القدر , قال تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق كل صانع وصنعته "(2) .

ويؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه وان الميت يقال له من ربك وما دينك ومن نبيك فيُثبّت الله الذين أمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيقول المؤمن : ربي الله والإسلام ديني ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي . وأما المرتاب فيقول : هاه هاه لا ادري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته . فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلان الإنس والجن ولو سمعوها لصعقوا ثم بعد هذه الفتنه إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة فتعاد الأرواح إلى الأجساد وتقوم القيامة وهي اليوم الأخر التي اخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة غير منتعلين عراة بدون ثياب غرلا غير مختونين وتدنو منهم الشمس فتصهرهم فيكونون في العرق بقدر أعمالهم فأدناهم من يكون عرقه إلى عقبيه وأعظمهم من يلجمه العرق إلجاما وتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم ماؤه اشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء طوله شهر وعرضه شهر من شرب منه لا يظمأ بعدها أبدا ويؤمنون بأن هناك صراطاً وهو جسر منصوب على متن جهنم يمر الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم فإن الصراط عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنهم لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقرون بها ثم يُزج بهم في جهنم(3) - نسأل الله السلامة والعافية –.
ويؤمنون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وهي لا تطلب منه صلى الله عليه وسلم مباشرة بل تطلب من الله لأنه لا شفاعة لأحد إلا بإذنه كما قال تعالى في آية الكرسي من سورة البقرة : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) فيقول الداعي مثلاً " اللهم اجعلني ممن يشفع فيهم نبيك محمد صلى الله عليه وسلم " .
وهم مع ذلك سليمة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخوضون فيما شجر بينهم وان أفضلهم الخلفاء الراشدين وأفضلهم أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة ثم بقية المهاجرين ثم الأنصار - رضي الله عنهم أجمعين - ويرون حب آل البيت ولا يغلون فيهم كما تفعل الرافضة ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال يوم غدير خم : " أذكركم الله في أهل بيتي "(4) .

ويرون الصلاة على من مات من أهل التوحيد ويترحمون عليهم فيرجون للمحسن ويخافون على المسيء ولا يرون تعلية قبورهم ولا بناؤها ولا تطيينها ولا بناء القباب عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم يوصي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لما بعثه إلى اليمن : " ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته "(5) ولا يرون أيضاً تجصيصها ولا الكتابة عليها ويكتفون بتعليم القبر بصخر ة أو خشبة يُعرف به قبر الميت كما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر عثمان بن مظعون بحجر(6) ويرون تحريم اتخاذ القبور مساجد أو أن يصلى إليها أو أن يوقد عليها السُرج لحديث جندب – رضي الله عنه - قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول : " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذاً من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك "(7) .
ويرون أن أصحاب المعاصي والكبائر تحت مشيئة الله إن شاء غفر لهم وان شاء عذبهم ما لم يستحلوا الذنوب والمعاصي فإن استحلوها فهم كفار وهم وسط – أي : أهل السنة والجماعة - في هذا الباب بين الخوارج الذين يكفرون بذنوب والكبائر وبين المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب ويرون إقامة الحج والجهاد والجُمعات والأعياد مع كل أمير براً كان أو فاجراً ولا يرون الخروج عليه ما لم يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان كما في الحديث المروي عن عبادة بن الصامت – رض الله عنه - قال : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بيعنا " والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وان لا ننازع الأمر أهله إلا أن ترو كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "(8) .

وهم مع هذا يأمرون بالمعروف وينهون المنكر على ما توجبه الشريعة ويصدقون بكرامات الاؤلياء وما يجريه الله على أيديهم من خوارق العادات وأنها لا يقبل إلا ممن التزم الشرع وحافظ على الواجبات ظاهرا وباطنا ولا يصدقونها ممن ترك الواجبات وفعل المنكرات بل يرونها أنها مخرقة شياطين .
فهذه عقيدة الفرقة الناجية المنصورة التي اخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال : " افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقه وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرق وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وفي رواية " كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة "(9) أي : أهل السنة والجماعة المتمسكون بالإسلام المحض الخالص كما في الحديث الأخر : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة "(10) نسأل الله أن يجعلنا منهم ووالدينا وان لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا .... آمين .

-----------------------
1/ رواه ابن عبد البر في كتاب " التمهيد " وابن بطة العُكبري في كتاب " الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية " والآجري في كتاب " الشريعة " والدار قطني في كتاب " الصفات " وابن مندة في كتاب " التوحيد " .
2/حديث صحيح رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وابن أبي عاصم في كتاب السنة والحاكم في المستدرك .
3/ هذا الفصل في أحوال القبر واليوم الآخر له أدلة صحيحة في صحيح البخاري ومسلم والسنن تركناها من أجل الاختصار ومن أراد الزيادة من الأحاديث فعليه بكتاب شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي والعقيدة الواسطية لابن تيمية والسنة لابن أبي عاصم وكتاب الشريعة للآجري وغيرها من كتب أهل السنة .
4/ حديث صحيح رواه مسلم .
5/ حديث صحيح رواه مسلم .
6/ حديث حسن رواه أبو داود وابن ماجه .
7/ رواه مسلم .
8/ رواه البخاري .
9/ حديث حسن رواه الإمام احمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه .
10/ رواه البخاري ومسلم .